القائمة اغلق

هل تريد أن تربي طفلاً مطيعاً؟ إليك 3 خطوات وتكلفتهم

الطاعة سلاح ذو حدين

عزيزي الأب، عزيزتي الأم، إليكم الوصفة السحرية لتربية طفل مطيع في ثلاث خطوات فقط:

1.    لا تسمح له بالتفكير

فالتفكير يقف عائقاً في طريق الطاعة. إذا حاول أن يفكر فيما تقول أخبِره أن هذا ممنوع، وأنه ينافي طاعته لك، علِّمه أن عليه تنفيذ ما تقوله أنت فقط وفوراً، دون تفكير ولا تحليل.

2.    لا تسمح له بقول لا

حسناً، ماذا إذا تطاول هذا الطفل وفكَّر بالفعل؟

هنا لا تسمح له بالرفض، لأن هذا ليس من حقه. أخبِره أنه حتى إن فكّر وكانت له رغبة مخالفة لما تريده أنت، فلا يخبرك بهذا، ولا يعبر عنه، لأنك لن تقبل منه أن يرفض لك أمراً.

3.    قل له أنت صغير وأنا أعلم مصلحتك

أما إذا أردت أن تكون أكثر رحمة به، فيمكنك أن تعلّمه مبدأً عاماً في حياته، يقول: (أنت صغير وأنا من أعلم مصلحتك جيداً)

وبالتالي، لا تختَر، لأنك لن تختار اختيارات صحيحة.

ولا تشارك في صنع القرار، لأنك لا تمتلك الحكمة والمعرفة التي نملكها نحن.

ولا تتعرض لتجارب ولا خبرات لا نوافق عليها، لأنك ضعيف صغير، لن تتحمل تبعات أي خطأ تقع فيه مهما كان صغيراً.

الطاعة من المفاهيم الراسخة في مجتمعاتنا العربية؛ طاعة الحاكم، طاعة الزوج، طاعة أولي الأمر، وطاعة الأبناء لآبائهم.

وبالتالي نشأت أجيال آبائنا وأجدادنا على معيار أهم وأوحد للتربية السليمة، وهو (الطاعة).

 

أولادك مطيعون؟

إذاً لقد قمت بدورك كأب/ أم بشكل جيد.

أولادك غير مطيعين؟

إذاً فأنتم مقصرون ومُلامون، وستظل تلازمكم وصمة عار تقول (معرفتوش تربوا). وسط الأهل والعائلة والجيران والمجتمع بأكمله.

والطاعة هنا مقصود بها تنفيذ ما يطلبه الأب/الأم، الموافقة على اختياراتهما، والاقتناع دائماً بآرائهما. هما يأمران والابن ينفذ ويوافق، لا يعترض ولا يخالف.

ومن المؤسف أنه تم دعم هذا المفهوم بالفهم الخاطئ للدين، فأصبح الآباء يستخدمون الدين وحقوق البر «المغلوطة» كسلاح رادع لأي اعتراض قد يفكر فيه الابن ضد رغبة والديه.

هل تعترض على ما نقول؟ هل تخالف ما نريد؟ هل لديك آراء أخرى؟

إذاً أنت ابن غير بارٍّ، ابن عاق وسيعاقبك الله على عقوقك لوالديك.

وتبدأ تلك الرغبة في طاعة الأبناء لآبائهم منذ أن يبدأ الطفل الصغير تعلم السير على قدميه، محاولاً اختيار ما يأكل ويلبس، مروراً بكونه مراهقاً يريد أن يختار ويقرر ما يدرس وما يعمل ومن يصادق، وصولاً إلى اختيار الأهل للزوج أو الزوجة الأنسب «في رأيهم» للأبناء.

 

حسناً، ما الضرر في ذلك؟ أليس من الممتع والمريح أن يطيع الطفل والديه الأعلم والأحكم منه؟

لا بأس.. الطاعة مريحة على المدى القصير، تغنينا عن كثير من النقاشات والمفاوضات ومحاولات الإقناع والوصول لحلول وسط.

وبالفعل توفر علينا الكثير من الوقت والجهد المبذول مع الأبناء.

كما أنها تُشبع لدينا الكثيرَ من الاحتياجات، وتسمح لنا بتحقيق أمنيات «عن طريق أبنائنا» لم نستطع نحن تحقيقها بأنفسنا.

ولكن ما أثر تلك الطاعة على تكوين شخصية الإنسان، وما الآثار التي تُحدثها في نفسه؟

  • الطاعة التي هي على هذا النحو تعلّم الطفل ألا يفكر. تقتل لديه مهارات التفكير التي خلقها الله فينا بالفطرة.

وبالتالي ينشأ لدينا شخص يطيع الآخر دون أن يفكر ولا يقيّم ما يتم عرضه عليه.

ليس لديه قيم تحركه وتدفعه لاتخاذ القرار بتنفيذ هذا ورفض ذاك. القيمة الوحيدة التي تشكّلت لديه هي قيمة (الطاعة).

يطيع كل من لديه سلطة -في رأيه- سواء كان هذا الشخص أباً أو أماً، أو مديراً، أو صديقَ سوءٍ، أو جاراً فاسداً، أو مجموعة «مخربة»… إلخ.

  • عدم القدرة على قول (لا)

ولَعمري إنها لمن أخطر الآفات في مجتمعاتنا. كلمة لا هي أحد الحقوق النفسية التي على كل إنسان تعلمها والتدرب على استخدامها بشكل صحي سليم.

لا عندما لا يسمح وقتنا، لا عندما لا تسمح طاقتنا، لا عندما لا تناسب أولوياتنا، لا للخطأ، ولا للاتكالية، ولا لتحمل مسؤوليات الغير بدلاً عنه.

مهارة قول كلمة لا تسمح للإنسان بإدارة وقته (الذي هو حياته)، والتخطيط ووضع الأهداف والعمل على تحقيقها. وتسمح ببراحٍ نفسي يمكّن الشخص من القيام بأدواره المختلفة على أفضل وجه ممكن.

فإذا تم سحب حق الطفل في قول (لا)، تم سحب كل تلك المقومات ونقاط القوة من شخصيته بالتبعية.

  • عدم القدرة على اتخاذ القرارات، فهو تعوّد أن يتم اتخاذ القرارات له بالنيابة عنه وهو ينفذ فقط.

  • تدني التقدير الذاتي لديه

والذي أثبتت الدراسات الحديثة في علم النفس أنه السبب الرئيسي وراء 90% من الأمراض والاضطرابات النفسية.

يتكون تقدير الذات من أول مرحلة في الطفولة عن طريق الاستماع الجيد للطفل، ومناقشته، وإشراكه في صنع القرارات، والأخذ برأيه وتنفيذه، والسماح له بالتجريب والخطأ، واختبار تبعات خطئه، والسماح له بالاختيار… وغيرها من الممارسات التي تَسقط تلقائياً بطلب طاعة الطفل لأهله.

وهذا هو الثمن الذي ندفعه كآباء عندما نطالب أبناءنا بالطاعة

 

هل كل الطاعة مضرة؟

بالطبع لا.. فكل عملة لها وجهان.

الطاعة بالشكل الذي ذكرناه في الأعلى (وهو الأغلب والأعم انتشاراً بين الآباء)، هي طاعة مضرة مؤذية لنفس الإنسان ولتكوين شخصية الطفل.

ولكن هناك نوع آخر من الطاعة الصحية التي يمكن أن نعلّمها لأبنائنا.

وهي الطاعة المقننة، والممزوجة بحقوق الأبناء كاملة.

أولاً: الطاعة المقننة

الطاعة لكي تكون صحية يجب أن تتم بشكل مقنن قليلاً في حياة الطفل، خاصة أثناء مراحل الطفولة المختلفة. تلك المراحل التي يتكون فيها فكر الطفل وتُبنَى شخصيته، ويحتاج إلى الكثير من التجريب والأخطاء ليتعلم ويُثقل مهاراته.

فلا نطالب نحن أبناءنا بالطاعة ونثقلهم بهذا الحِمل في مراحل عمرهم الأولى.

كل ما يمكن التغاضي عنه نتغاضى عنه، وكل ما يمكن أن ندعهم يقرروا فيه ويختاروه بأنفسهم فلا نتردد أبداً.

ثانياً: حقوق الأبناء النفسية

لا بأس أن أعلّم أبنائي أن طاعة الأهل مهمة ومطلوبة، وأن تلك الطاعة لا يجب أن تتعارض مع حقوقهم النفسية.

  • حقهم في الرفض عندما لا يستطيعون، وعندما لا يريدون. ويقترن هذا بقبولي أنا لذلك الرفض دون إشعار الطفل بالذنب ولا لومه أو تأنيبه. فهذا حقه، أن يرفض بعض الوقت.

  • حقهم في اختيار وتقرير كل ما يتعلق بحياتهم دون تدخل من الآباء. حتى وإن رأينا أن اختياراتهم خاطئة، فليس لنا إلا النصح فقط، دون ضغط ولا إلزام ولا مساومة.

  • حقهم في الخطأ والتجريب، ذلك الحق الذي كفله لهم الله عز وجل، ونريد نحن أن نسلبهم إياه بحمايتهم الزائدة، لكي لا يخطئوا ولا يختبروا نتائج بعض أفعالهم.

  • حقهم في الخصوصية، فكونهم أبنائي لا يعطيني الحق بانتهاك خصوصياتهم بدافع أني أحميهم وأعمل على تربيتهم.

  •   حقهم في الاختلاف عني كأب/ أم. فالصواب واسع وله مداخل كثيرة، ومن الممكن أن يختلف أبنائي عني تماماً، بل ويناقضوني في طباعي وسماتي ومع ذلك يظلون أشخاصاً صالحين مميزين، لهم أمنياتهم الخاصة المستقلة عن رؤيتي أنا للأفضل لهم.

إذا راعينا تلك الحقوق، وقننّا «استغلالنا» لحق طاعة الآباء -بغير وجه حق- فأنا على يقين أن هؤلاء الأبناء سيكونون هم من يسعون لطاعتنا وودّنا وبرّنا دون ضغط، وبمنتهى الحب والصدق.

بالإضافة إلى أنهم سيفعلون هذا بشخصيات قوية ونفسيات سوية مستقرة نقابل نحن بها الله نتاج تربيتنا لهم.

فلنراعِ الله في استخدامنا للحقوق التي وهبنا إياها، ولا نحوّلها لسلاح ضغط لتحقيق رغباتنا نحن الشخصية واحتياجاتنا غير المشبعة.

 

*هذا المقال قمن بنشره على موقع عربي بوست بتاريخ 10 أكتوبر 2019

Comments

comments