القائمة اغلق

رفضك لطلبات أولادك يقوي مناعتهم النفسية

لا

كلمة يخاف منها الكثير من الآباء. يخافون أن يقولوها لأبنائهم، أو أن يسمعوها هم منهم.

بل نخشى أحيانا أن نقولها لبعض نحن كراشدين.

فهي كلمة ترتبط لدينا بمشاعر رفض واستياء وكره أحيانا.

أنت ترفض، إذا أنت لا تحبني، أي تكرهني. هكذا يفكر الكثير من الناس في مجتمعاتنا بشأن كلمة (لا).

 حتى الآباء الذين يكثرون من قول كلمة لا، نجدهم يقولونها بغضب وعنف واستياء. وإذا فتشنا داخلهم سنجد الكثير ورائها من مشاعر الذنب وجلد الذات والتقصير لأنهم قالوا لأبنائهم (لا).

حسنا ماذا يحدث إن لم نقل للطفل لا؟!

سنفرض “جدلا” أننا نستطيع أن نلبي جميع احتياجات وطلبات الطفل. لدينا القدرة الجسدية والمالية والطاقة والجهد والوقت اللازمين لتنفيذ كل ما يطلبه الطفل منّا. وبالفعل نفذّنا هذا ولبينا له كل ما يطلبه.

-فينشأ ذلك الطفل مُلبَّى الطلبات. ويعرف أن كل ما يتمناه سيتحقق.

-وتتكون لديه قناعة أن الشكل الصحيح للحياة، هو أن يحصل فيها على كل ما يريد.

-وبالتالي سينتظر من الحياة أن تلبي احتياجاته دائما. ويصيبه الإحباط والسخط إن لم يتحقق هذا.

-وفي علاقاته الاجتماعية هو شخص متطلِب يسعى لتحقيق ما يريده بأي ثمن.

-وفي عمله هو شخص ضعيف لا يقوى على الانتظار وليس لديه مهارة الصبر على تأجيل اشباع الاحتياجات.

ولعمري إنها لمهارة هامة وضرورية، ليس في العمل فقط، وإنما في الحياة بأكملها.

-سيكبر هذا الطفل ليصبح رجلا راشدا “في العمر البيولوجي”، ولكنه طفل “في تكوينه النفسي”. يبكي ويصرّخ ليحصل على ما يريد. فهو تعلّم أن الحياة لا تحتوي على كلمة (لا).

-والمثير للدهشة أن أحد الأبحاث أثبت وجود علاقة بين تلبية طلبات الأبناء بشكل دائم وبين شعورهم بالنقص داخليا، تبعا لما نشرته جريدة النيويورك تايمز

والجانب الأخطر في اعتقاد أن (الحياة الجيدة ليس بها كلمة لا)، هو أن ذلك الطفل أيضا لن يقول (لا)…

-عندما يقابل طفلا آخر يحثّه على سلوك سيء، لن يستطيع أن يقول له (لا).

-عندما يدفعه زملائه المراهقين لتجربة أشياء خطيرة مثلما يفعل أغلب المراهقين في تلك الفترة، لن يقدر على قول (لا).

-إذا كبر هذا الطفل وبدأ الحياة العملية، وكلّفه مديره بكم إضافي من الأعمال التي لا تخصه، لن يقول له (لا).

-إذا تعدى الآخرين على حدود هذا الطفل وحقوق هذه الطفلة، فلن يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم بقول (لا).

فهم أطفال تعلّموا إن كلمة (لا) هي كلمة سيئة لا توحي إلا بكل سوء.

هل يعني هذا أننا كآباء علينا دائما رفض طلبات أبنائنا؟

إن الغرض ليس رفض طلبات الأبناء، وإنما تعليمهم ثقافة كلمة (لا) بشكل صحي وسوي.

ما معنى ثقافة كلمة (لا) بشكل صحي؟

إن استخدام كلمة (لا) مثله مثل أي شيء آخر في الحياة، يجب أن يتم بتوازن ووفقا لقواعد. فلا إفراط ولا تفريط، لا مبالغة في استخدامها ولا تقصير وخوف من قولها.

وطلبات الأطفال تنقسم لمجموعتين:

حقوق.

إضافات ورفاهية.

فطلب الطفل للأكل والشرب والملابس على سبيل المثال، هي حقوق له وواجبات على الآباء توفيرها قدر استطاعتهم.

أما طلب الحلوى والأكسسورات مثلا فهي إضافات قد يستطيع الأهل توفيرها يوما، ويوما آخر لا يستطيعون.

إذن فأول فيصل في تلبية طلبات الأبناء، هل هي أساسية وضرورية للحياة؟

حسنا إذا كانت ضرورية وأساسية، فهل هي عاجلة للتنفيذ الآن؟

فإذا كانت الإجابة عن أحد أو كلا السؤالين السابقين (لا)، فهنا ننتقل للسؤال الثالث: هل أنا كأب/ أم أستطيع تنفيذها له؟ ومتى؟

وإذا كنت أستطع تنفيذها، فهل أريد بالفعل أن أفعل له هذا أم لدي الآن أولويات أخرى؟

هل هذا الطلب يوافق مبادئ وقيم أسرتي أم يخالفها؟

هل يتماشى مع قواعد السلامة والأمان أم يخلّ بها؟

وسنذكر لاحقا في المقال كيفية تطبيق هذا كله بشكل عملي وبسيط..

كيف نرفض ونقول (لا) بشكل صحي؟

دعونا نتفق في بادئ الأمر أن من لم يتعودوا على تقبل ثقافة الرفض، سيواجهون بعض الصعوبة أول الأمر. هم وأبنائهم. ولكن مع الثبات والاستمرار في استخدامها بشكل صحي ستصبح جزءا من الثقافة الأسرية لنا جميعا.

وفيما يلي بعض الجمل التي نستطيع استخدامها لقول لا، بشكل صحي لائق:

  • أعتذر منك عزيزي، لا أريد أن أفعل هذا الآن.

  • كنت أوّد هذا ولكنني لا أستطيع.

  • لا يسمح وقتي الآن بعمل هذا. ربما بعد تناول العشاء سأفعله لك.

  • لا أمتلك النقود الكافية لشراء تلك اللعبة. أعتذر منك صغيري.

  • أرى أنك تطلب هذا كثيرا في أوقات مختلفة، لم لا تضعه على أجندة اجتماع الأسرة لنناقش كيف يمكنك إشباع رغبتك منه بشكل صحي.

  • لاحظت أنك تغضب كثيرا عندما أرفض طلب ما، وأنا حقا لن أستطيع تنفيذ هذا الطلب. هل هناك شيء أستطيع فعله للتخفيف عنك غير تنفيذ ذلك الطلب؟

العامل المشترك في كل ما سبق هو الاحترام لنفسي وللطفل. ولن يأتي هذا إلا إذا تقبلت أنا داخليا أن أقول لطفلي (لا) دون أن أشعر بالذنب ولا التقصير والاستياء من نفسي.

ولكي أصل لذلك المستوى أحتاج لقراءة السطور التالية.

تقول الطبيبة النفسية “إلين كينيدي” في مقالها على سيكولوجي توداي أن أحد أهم مسؤوليات الأهل تجاه أبنائهم هو قول (لا). لأنها تعلمهم الكثير من مهارات ودروس الحياة:

  • تقوي لديه المناعة النفسية

  • تثقل لديه مهارات تأجيل إشباع احتياجاته

  • تعلّمه الصبر

  • تدفعه للتخطيط لتحقيق أهدافه

  • تحثه على إيجاد بدائل، وبالتالي تنمي لديه مهارات التفكير والإبداع

  • تطوّر لديه مهارات حل المشكلات.

  • تعلّمه أن كلمة (لا) هي جزء طبيعي من الحياة، وبالتالي يحق له هو أيضا استخدامها دون الشعور بالذنب ولا الاستياء من نفسه.

دعونا نذكر مثال لتوضيح الأمر أكثر..

أنا أقف في المطبخ أعّد الطعام، وأتى طفلي يطلب مني اللعب معه الآن.

حسنا هل هذا حقٌ له؟

نعم.

هل أريد أنا عمله؟

نعم.

هل يسمح لي وقتي أن أفعله الآن؟

لا

إذا بهدوء وثبات يمكن أن أجيبه قائلة: كم أحب اللعب معك يا صغيري. والآن أنا مشغولة في إعداد الطعام اللذيذ لنا جميعا. أعدك أنني سأمنحك ربع ساعة بعد تناول العشاء لألعب فيها معك دون انشغال.

بالطبع لن يحب الطفل هذا الرد وسيبدأ في الإحاح والمحاولة مرة واثنين.

فأرد عليه بثبات: حسنا صغيري لقد عرضت طلبك، وأنا عرضت ردي واستطاعتي.

وهل يتقبل الأبناء هذا الأسلوب بصدر رحب؟

كما ذكرنا سابقا، في البداية بالطبع لا. ولكن مع الاستمرار والثبات من الوالدين، سيتعلم الطفل أن هذا هو الشكل الحقيقي الواقعي الصحي للحياة. وسيتوقف هو تلقائيا عن بناء توقعات عالية بأن كل طلباته سيتم تحقيقها.

وهنا مهم أن ننوّه على نقطة هامة…

إذا كنّا نريد زرع تلك الثقافة الصحية داخل بيوتنا وأسرنا، فعلينا أن نتوقع أن يبادلنا الأبناء (لا) أحيانا، وأن نتقبلها منهم نحن أيضا.

فعندما أطلب من ابني/ بنتي طلبا ما، وهو ليس واجب أساسي عليه وإنما مهمة إضافية، فعليّ أن أمنحه المساحة ليرفض أو يقبل ذلك الطلب. بل وأشجعه أن يرفض أحيانا إن شعر أنه لا يستطيع أو أو وقته لا يسمح بذلك. فقط أذكّره أن يعرض هذا الرفض بطريقة مهذبة ولائقة. ثم أتقبله أنا بصدرٍ رحب.

*هذا المقال قمت بكتابته ونشره على موقع عربي بوست في فبراير 2020

Comments

comments